ابن قيم الجوزية

106

شرح القصيدة النونية المسماة الكافية الشافية في الانتصار للفرقة الناجية

صِدْقاً وَعَدْلًا [ الأنعام : 115 ] في الأمر والنهى ، وهي أعظم وأجل ما يرشد بها العباد ، بل لا حصول للرشاد بغيرها ، فمن ابتغى الهدى من غيرها أضله اللّه ، ومن لم يسترشد بها فليس برشيد ، فيحصل بها الرشد العلمي وهو بيان الحقائق والأصول والفروع والمصالح والمضار الدينية والدنيوية ، ويحصل بها الرشد العملي ، فإنها تزكي النفوس وتطهر القلوب وتدعو إلى أصلح الأعمال وأحسن الأخلاق ، وتحث على كل جميل وترغب عن كل ذميم رذيل ، فمن استرشد بها فهو المهتدى ، ومن لم يسترشد بها فهو ضال ، ولم يجعل لأحد عليه حجة بعد بعثته للرسل وإنزاله الكتب المشتملة على الهدى المطلق ، فكم هدى بفضله ضالا وأرشد حائرا ، وخصوصا من تعلق به وطلب منه الهدى من صميم قلبه ، وعلم أنه المنفرد بالهداية ) 1 ه . والعدل من أوصافه في فعله * ومقاله والحكم في الميزان فعلى الصراط المستقيم إلهنا * قولا وفعلا ذاك في القرآن الشرح : ومن أسمائه سبحانه أنه ( العدل ) وهو في الأصل مصدر وصف به للمبالغة ، وأصل العدل والمعادلة المساواة ، يقال هذا عدل ذلك ، وعديله أي نظيره ، ومساويه . وهو سبحانه موصوف بالعدل في فعله ، فأفعاله كلها جارية على سنن العدل والاستقامة ، ليس فيها شائبة جور أصلا ، فهي دائرة كلها بين الفضل والرحمة ، وبين العدل والحكمة كما قدمنا ، وما ينزله سبحانه بالعصاة والمكذبين من أنواع الهلاك والخزي في الدنيا وما أعده لهم من العذاب المهين في الآخرة ، فإنما فعل بهم ما يستحقونه ، فإنه لا يأخذ الا بذنب ، ولا يعذب الا بعد إقامة الحجة . وأقواله كلها عدل ، فهو لا يأمرهم الا بما فيه مصلحة خالصة أو راجحة ، ولا ينهاهم الا عما مضرته خالصة أو راجحة . وكذلك حكمه بين عباده يوم فصل القضاء ووزنه لأعمالهم عدل لا جور فيه ، كما قال تعالى : وَنَضَعُ الْمَوازِينَ